تجارب دولية رائدة في مواجهة انتشار الكلاب الضالة

لم تعد أزمة انتشار الكلاب الضالة قضية محلية معزولة، بل تحولت إلى ملف عالمي تتقاطع فيه اعتبارات الصحة العامة، والأمن المجتمعي، وحقوق الحيوان. وبينما فشلت الحلول السريعة والقمعية في احتواء الظاهرة، نجحت دول عدة في تقليصها بشكل جذري عبر سياسات طويلة المدى اعتمدت على التشريع والتنظيم والتوعية. التقرير التالي يرصد أبرز هذه التجارب.


هولندا: القضاء على الظاهرة من جذورها

تُعد هولندا النموذج الأبرز عالميًا في هذا الملف، إذ نجحت خلال سنوات قليلة في إنهاء وجود الكلاب الضالة تقريبًا. ويرجع ذلك إلى تبني الدولة سياسة شاملة تقوم على التعقيم الإلزامي والمجاني، إلى جانب تسجيل جميع الحيوانات وربطها قانونيًا بمالكيها. كما فرضت السلطات عقوبات صارمة على التخلي عن الحيوانات، ووسعت برامج التبنّي بدعم حكومي مباشر، مع شراكات قوية بين البلديات والقطاع البيطري.

النتيجة: معالجة السبب الأساسي للمشكلة بدل الاكتفاء بالتعامل مع مظاهرها.


ألمانيا: القانون كأداة ضبط أساسية

في ألمانيا، لم تختف الظاهرة كليًا، لكنها تراجعت إلى مستويات هامشية. ويعود ذلك إلى إطار قانوني صارم ينظم اقتناء الحيوانات، أبرز ملامحه فرض ضريبة سنوية على تربية الكلاب، والتسجيل الإجباري باستخدام الشرائح الإلكترونية. كما تدير البلديات مراكز إيواء متطورة، وتفرض قيودًا مشددة على التربية والبيع غير المرخص.

النتيجة: الانضباط القانوني حدّ من التخلي العشوائي وساعد في السيطرة على الأعداد.


تركيا: إدارة إنسانية دون إبادة

اختارت تركيا نهجًا مختلفًا قائمًا على مبدأ “التعقيم ثم الإرجاع”. إذ تقوم البلديات بتعقيم الكلاب الضالة وتطعيمها ضد الأمراض، قبل إعادتها إلى بيئتها الطبيعية مع متابعة دورية. ويحظر القانون التركي القتل الجماعي، ما أوجد توازنًا بين اعتبارات السلامة العامة وحقوق الحيوان.

النتيجة: احتواء الظاهرة بدل القضاء العنيف عليها، مع تفاوت في النجاح بحسب كفاءة البلديات.


الهند: درس فشل القتل الجماعي

في الهند، كشفت التجربة أن القتل الجماعي للكلاب لم يؤدِّ سوى إلى تفاقم المشكلة. وبعد ضغوط قانونية ومجتمعية، انتقلت الدولة إلى برامج التحكم في التكاثر عبر التعقيم والتطعيم، خاصة في المدن الكبرى. وأسهم ذلك في خفض معدلات السعار بشكل ملحوظ خلال سنوات.

النتيجة: التعقيم أقل تكلفة وأكثر فاعلية من الحلول القسرية.


اليابان: قوة الوعي المجتمعي

اعتمدت اليابان على ثقافة مجتمعية صارمة في تحمل المسؤولية، إلى جانب تسجيل إلزامي للحيوانات، وشروط دقيقة لاقتناء الكلاب. كما لعب الإعلام دورًا بارزًا في دعم التبنّي وتقليل نسب التخلي.

النتيجة: تراجع كبير في أعداد الحيوانات الضالة دون تدخلات قسرية واسعة.


تشيلي: مسار طويل بنتائج ثابتة

اتبعت تشيلي سياسة تدريجية امتدت لأكثر من عقد، تمثلت في إصدار قانون وطني للرفق بالحيوان، وتنفيذ برامج تعقيم واسعة بتمويل حكومي، مع إدماج التوعية في المناهج التعليمية والإعلام، وإنشاء قاعدة بيانات وطنية للحيوانات.

النتيجة: تحسن مستمر ومستقر على المدى الطويل.


ما الذي تكشفه هذه التجارب؟

تشير النماذج الدولية إلى مجموعة من الحقائق الثابتة:

  • القتل الجماعي لم يحقق نجاحًا دائمًا في أي دولة.

  • التعقيم الشامل المقترن بالتسجيل الإجباري هو الأكثر استدامة.

  • غياب التشريع أو ضعف تطبيقه يقوض أي سياسة.

  • التوعية المجتمعية عنصر لا يقل أهمية عن التدخل البيطري.

  • الشراكة مع المجتمع المدني عامل حاسم في الاستمرارية.



أي نموذج يناسب الدول العربية؟

يرى خبراء أن النموذج التركي، بعد تعديله، هو الأقرب للتطبيق عربيًا، خاصة في الدول ذات الكثافة السكانية المرتفعة. ويشمل ذلك التوسع في التعقيم والتطعيم، وتنظيم ملكية الحيوانات، وتشديد العقوبات على التخلي، مع توفير دعم مالي وفني حقيقي للبلديات، وإطلاق حملات توعية مستمرة.



التجربة الدولية تؤكد أن أزمة الكلاب الضالة ليست مستعصية، لكنها تتطلب إرادة سياسية، وتشريعًا واضحًا، وحلولًا مستدامة تحترم الإنسان والحيوان في آن واحد.




إرسال تعليق

0 تعليقات