الأسواق تايمز - إعداد عمر عبد التواب
فنجان قهوة صغير، وبقايا داكنة تترسب في قاعه وعلى جدرانه، ثم يد تمتد لتقلبه فوق الطبق وتتركه دقائق حتى يجف. بعد ذلك تبدأ رحلة البحث عن أشكال تشبه الطرق والوجوه والطيور والقلوب، لتتحول هذه الخطوط العشوائية إلى حكايات عن الحب والزواج والرزق والسفر، وربما تحذيرات من شخص قريب أو عدو يتربص بصاحب الفنجان.
إنها قراءة الفنجان، إحدى أشهر طرق العرافة الشعبية التي لا تزال حاضرة في المجتمعات العربية وتركيا ومناطق أخرى من العالم، رغم التطور التكنولوجي وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي. فما يبدأ أحياناً باعتباره تسلية بين الأصدقاء قد يتحول في بعض الحالات إلى وسيلة لادعاء معرفة المستقبل، أو بوابة للدخول إلى عالم السحر والشعوذة وبيع الوهم.
لكن هل قراءة الفنجان سحر بالفعل؟ وهل ترتبط بالطلاسم واستحضار الأرواح؟ وكيف نشأت هذه الممارسة، وما الذي يجعل أشخاصاً كثيرين يثقون في تفسيرات أشكال القهوة ويعودون إلى العرافين مرة بعد أخرى؟
كيف تبدأ جلسة قراءة الفنجان؟
تبدأ الممارسة عادة بتناول القهوة التركية أو القهوة التي تترك رواسب في قاع الكوب، مع الحرص على عدم شرب الجزء الأخير الذي يحتوي على قدر أكبر من البن المترسب.
بعد الانتهاء، يوضع الطبق فوق الفنجان، ثم يقلب الاثنان معاً، وقد يدير الشخص الفنجان أو يتركه حتى تبرد الرواسب وتجف نسبياً. وعندما يرفع القارئ الفنجان يبدأ في فحص الخطوط والبقع المتبقية على الجدران والقاع، ثم يحاول ربطها بأشكال مألوفة.
قد يرى القارئ طريقاً فيفسره باعتباره سفراً أو انتقالاً، أو شكلاً يشبه الطائر فيربطه برسالة أو خبر، أو قلباً فيجعله دلالة على علاقة عاطفية، بينما قد يفسر الخطوط المتشابكة باعتبارها خلافات أو عقبات.
ولا توجد قاعدة علمية موحدة لهذه الرموز أو معانٍ ثابتة يمكن إثباتها؛ فالتفسير يعتمد على خيال القارئ وخبرته المزعومة والموروث الشعبي الذي تعلمه، كما يتأثر بما يقوله صاحب الفنجان عن حياته ومشكلاته.
وفي بعض الجلسات لا يكتفي القارئ بالنظر إلى الرواسب، بل يطرح أسئلة عن الزواج والعمل والعلاقات الأسرية، ثم يدمج الإجابات في قصة تبدو وكأنها مستخرجة من الفنجان نفسه.
تركيا.. القهوة التي تحولت إلى وسيلة لقراءة المستقبل
ترتبط قراءة الفنجان ارتباطاً وثيقاً بثقافة القهوة التركية، التي انتشرت في الدولة العثمانية خلال القرن السادس عشر، وتحولت إلى جزء من الحياة الاجتماعية ومجالس الضيافة والتجمعات العائلية.
وقد أدرجت منظمة اليونسكو ثقافة القهوة التركية وتقاليدها ضمن القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية عام 2013، باعتبارها ممارسة اجتماعية ترتبط بالضيافة والصداقة والحوار وتناقل العادات بين الأجيال.
ومن بين العادات المرتبطة بالقهوة التركية قراءة الرواسب المتبقية في الفنجان، وهي ممارسة توضح اليونسكو وجودها ضمن التقاليد الاجتماعية المحيطة بتناول القهوة.
ولا يوجد تاريخ موثق يحسم متى بدأت قراءة الفنجان تحديداً، أو من ابتكرها أول مرة. كما أن الروايات التي تنسب نشأتها إلى نساء القصور العثمانية أو جواري الحريم لا ينبغي التعامل معها باعتبارها حقيقة تاريخية مؤكدة دون أدلة.
لكن المؤكد أن قراءة الفنجان أصبحت مع مرور الوقت جزءاً من الممارسات الشعبية في تركيا، وانتقلت بين الأجيال، حتى تحولت إلى نشاط يمارسه البعض بصورة عفوية بين الأصدقاء، بينما يقدم آخرون أنفسهم باعتبارهم محترفين في قراءة الرموز والتنبؤ بالمستقبل.
من تركيا إلى لبنان ومصر.. كيف انتشرت قراءة الفنجان عربياً؟
لم تبق قراءة الفنجان محصورة في تركيا، بل أصبحت من الممارسات المعروفة في عدد من المجتمعات العربية، خصوصاً في بلاد الشام ومصر، حيث ارتبطت بمجالس القهوة والزيارات العائلية والجلسات النسائية.
وفي لبنان، تحمل الممارسة اسماً شعبياً هو «التبصير»، وقد تناولتها دراسة أكاديمية للباحثة غادة داغر عن نساء مدينة بنت جبيل في جنوب لبنان، نُشرت عام 2024 ضمن أعمال الجامعة الأمريكية في بيروت.
وتكشف الدراسة أن قراءة الفنجان ليست مجرد محاولة للتنبؤ بالمستقبل، بل يمكن أن تكون مساحة للحديث عن المشكلات الشخصية والقلق والضغوط الاجتماعية. كما رصدت كيف تتحول جلسة التبصير إلى حوار تتبادل خلاله النساء تجاربهن ومخاوفهن، وتقدم القارئة تفسيرات تمنح صاحبة الفنجان شعوراً بالاهتمام أو الأمل.
وفي مصر، ارتبطت قراءة الفنجان بالجلسات الشعبية والمقاهي والتجمعات العائلية، وأصبحت بعض العبارات المرتبطة بها جزءاً من الثقافة اليومية، مثل الحديث عن «الطريق» و«الخبر» و«الزواج» و«العين» و«الحسد».
وتختلف الممارسة من مكان إلى آخر؛ فهناك من يتعامل معها باعتبارها لعبة اجتماعية، وهناك من يذهب إلى قارئات محترفات للحصول على إجابات عن مشكلات عاطفية أو مالية أو أسرية، بينما تتجاوز بعض الجلسات ذلك إلى ادعاءات تتعلق بالسحر والأرواح.
لماذا يصدق البعض ما تقوله قارئة الفنجان؟
لا تتعلق شعبية قراءة الفنجان دائماً بالإيمان الكامل بقدرتها على كشف المستقبل، بل ترتبط أحياناً بحاجات نفسية واجتماعية، مثل الرغبة في الاطمئنان أو الفضول أو البحث عن تفسير لما يحدث في الحياة.
فعندما يمر الإنسان بأزمة عاطفية أو مالية، قد يصبح أكثر استعداداً للاستماع إلى أي شخص يقدم له تفسيراً واضحاً لما يواجهه، حتى لو كان هذا التفسير قائماً على أشكال غير محددة في رواسب القهوة.
وهناك آلية نفسية معروفة باسم «تأثير بارنوم»، وتعني ميل بعض الأشخاص إلى اعتبار الأوصاف العامة والفضفاضة وكأنها موجهة إليهم بصورة دقيقة وشخصية.
فعندما تقول قارئة الفنجان إن صاحبه تعرض لخيبة أمل من شخص قريب، أو إنه ينتظر خبراً مهماً، أو إنه يمر بمرحلة صعبة ستنتهي قريباً، يمكن أن يجد كثيرون في هذه العبارات ما يتوافق مع تجاربهم الشخصية.
كما تلعب طريقة الحوار دوراً مهماً؛ فقد تكشف إجابات صاحب الفنجان معلومات تساعد القارئة على صياغة تفسير يبدو أكثر دقة، دون أن تكون قد استخرجت تلك المعلومات من الرواسب بالفعل.
وفي دراسة نشرتها مجلة «Discourse Studies» عام 2025، حلل باحثون 22 جلسة فعلية لقراءة الفنجان بين 25 امرأة تركية، ووجدوا أن الممارسة تعتمد على تفاعل اجتماعي ولغوي مشترك، حيث تُبنى المعاني من خلال الصور التي يتخيلها المشاركون والحوار والتعليقات المتبادلة.
وهذا يعني أن قراءة الفنجان ليست مجرد النظر إلى أشكال القهوة، بل عملية تواصل اجتماعي يمكن أن تؤدي دوراً في تبادل المشاعر ومناقشة المشكلات الشخصية.
ما علاقة قراءة الفنجان بالسحر والطلاسم؟
هنا نصل إلى النقطة الأكثر حساسية في التحقيق. فقراءة الفنجان في أصل ممارستها الشعبية تقوم على تفسير الرواسب والتنبؤ بالمستقبل، ولذلك فهي أقرب إلى العرافة وقراءة الطالع، وليست سحراً بالمعنى الدقيق للكلمة.
فالسحر والشعوذة قد يتضمنان ادعاءات أو ممارسات أخرى، مثل استخدام الطلاسم والرموز غير المفهومة، أو الاستعانة بالبخور والتمائم، أو الادعاء بالقدرة على تسخير الأرواح وفك الأعمال وجلب الحبيب والتفريق بين الأزواج.
لكن بعض الممارسين قد يخلطون بين هذه الأنشطة، فيبدأ الأمر بقراءة الفنجان، ثم يخبر القارئ صاحبه بأنه يرى عملاً أو سحراً أو حسداً، ويعرض عليه تقديم خدمة إضافية لإزالته مقابل المال.
وقد يتحول الفنجان في هذه الحالة من وسيلة مزعومة لقراءة المستقبل إلى أداة لبناء الخوف وإقناع الشخص بأنه ضحية مؤامرة خفية لا يستطيع التخلص منها إلا من خلال القارئ نفسه.
ومن أشهر الأساليب التي قد تستخدم في هذا النوع من الاستغلال إخبار الشخص بأن هناك امرأة أو رجلاً من أقاربه تسبب له في الضرر، أو أن هناك عملاً مدفوناً في مكان مجهول، أو أن حياته العاطفية متوقفة بسبب سحر يمنعه من الزواج.
ثم تأتي المرحلة التالية، حيث يطلب المحتال مبالغ مالية مقابل شراء مواد أو تنفيذ طقوس أو إعداد أحجبة وتمائم، وقد تتكرر المطالب كلما ظهرت مشكلة جديدة.
وهنا لا يعود الأمر مجرد قراءة فنجان، بل يدخل في نطاق الاحتيال والاستغلال المالي والنفسي، خاصة عندما يستهدف أشخاصاً يمرون بأزمات حقيقية.
من رموز القهوة إلى الطلاسم.. كيف تصنع بعض الجلسات أجواء الغموض؟
تعتمد قراءة الفنجان التقليدية على الأشكال الناتجة عن ترسب البن، لكن بعض الممارسات التجارية تضيف عناصر أخرى لصناعة أجواء توحي بامتلاك قدرات خارقة.
وقد تشمل هذه العناصر الشموع والبخور والأحجار والتمائم والرسومات الغامضة، أو أوراقاً مكتوبة برموز غير مفهومة، مع استخدام عبارات عن الأرواح والطاقة والأعمال المدفونة.
ولا يعني وجود هذه الأشياء وحده أن الشخص يمارس السحر، لكن الخطورة تبدأ عندما يستخدمها لإقناع الآخرين بامتلاك قدرات غير مثبتة، أو للحصول على أموال مقابل وعود بفك السحر والسيطرة على المستقبل.
كما أن بعض المحتالين يستغلون صور الفناجين ومعلومات أصحابها على مواقع التواصل الاجتماعي، ويقدمون خدمات قراءة الفنجان عن بعد، ثم ينتقلون إلى محادثات خاصة تتضمن أسئلة شخصية وطلبات مالية.
قراءة الفنجان تدخل عصر التطبيقات والذكاء الاصطناعي
لم تتوقف هذه الممارسة عند الجلسات التقليدية، بل انتقلت إلى الهواتف الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي.
فقد ظهرت تطبيقات تتيح للمستخدم تصوير الفنجان وإرسال الصورة للحصول على تفسير آلي للأشكال والرواسب، بينما تقدم حسابات أخرى خدمات قراءة الفنجان عبر الرسائل ومكالمات الفيديو.
وفي دراسة نشرتها مجلة «Discourse, Context & Media» عام 2026، قارن باحثون بين قراءة الفنجان التي يقدمها قارئ بشري وتلك التي ينتجها تطبيق يعتمد على الذكاء الاصطناعي، وخلصوا إلى أن الطريقتين تستخدمان أنماطاً لغوية متشابهة في التحية والتنبؤ والنصيحة والخاتمة، مع اختلاف في طريقة بناء التفسير والتفاعل مع المستخدم.
وهذا التطور يكشف أن العرافة لم تختف مع التكنولوجيا، بل وجدت وسيلة جديدة للانتشار والوصول إلى جمهور أوسع.
لكن تحويل صورة رواسب القهوة إلى نصوص وتوقعات لا يمنحها قيمة علمية، ولا يجعل التطبيق قادراً على معرفة الغيب أو تحديد أحداث المستقبل.
هل يمكن معرفة المستقبل من بقايا القهوة؟
من الناحية العلمية، لا توجد أدلة موثوقة تثبت أن الأشكال الناتجة عن ترسب البن في الفنجان تستطيع التنبؤ بالمستقبل أو كشف أسرار حياة الأشخاص.
فالخطوط والبقع تتشكل نتيجة حركة السائل والجاذبية وطريقة جفاف الرواسب، ويمكن للعين البشرية أن تربط بينها وبين صور مألوفة، مثل الحيوانات والوجوه والطرق والأرقام.
وهذه القدرة على التعرف إلى الأشكال في أنماط عشوائية تُعرف باسم «الباريدوليا»، وهي ظاهرة إدراكية تجعل الإنسان يرى صوراً مألوفة في السحب أو الصخور أو الجدران أو غيرها من الأشكال غير المنتظمة.
ومن ثم فإن رؤية طائر أو قلب أو وجه داخل الفنجان لا تعني أن هذه الصورة تحمل رسالة عن المستقبل، وإنما تعكس طريقة العقل في تفسير الأنماط البصرية.
قراءة الفنجان بين التسلية واستغلال الأزمات
تظل قراءة الفنجان ممارسة شعبية لها حضور اجتماعي وثقافي في مجتمعات متعددة، وقد يتعامل معها البعض باعتبارها وسيلة للمرح وتبادل الأحاديث، دون أن يترتب عليها ضرر حقيقي.
لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول التوقعات إلى قرارات مصيرية، أو عندما يستغل شخص قلق الآخرين لإقناعهم بأن حياتهم محكومة بالسحر أو الأرواح أو أعمال مجهولة.
فالزواج والطلاق والعلاج والاستثمار والسفر لا ينبغي أن تُبنى قراراتها على خطوط القهوة أو ادعاءات العرافين، كما أن المشكلات الصحية والنفسية تحتاج إلى تشخيص متخصص، وليس إلى تفسيرات غيبية.
وفي النهاية، قد يكشف فنجان القهوة الكثير عن طبيعة المجالس والعلاقات الاجتماعية والمخاوف التي تشغل الناس، لكنه لا يقدم دليلاً على معرفة الغيب. وبين من يراه لعبة اجتماعية ومن يحوله إلى تجارة قائمة على الخوف، تبقى الحدود واضحة بين التراث الشعبي والادعاء الزائف بامتلاك قدرات خارقة.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.